السيد الطباطبائي
186
تفسير الميزان
فيستفهمون عن الرد إلى الحياة بعد الموت . وهو معنى حسن لو لم يخالف ظاهر السياق . قوله تعالى : " أإذا كنا عظاما نخرة " تكرار للاستفهام لتأكيد الاستبعاد فلو كانت الحياة بعد الموت مستبعدة فهي مع فرض نخر العظام وتفتت الاجزاء أشد استبعادا ، والنخر بفتحتين البلى والتفتت يقال : نخر العظم ينخر نخرا فهو ناخر ونخر . قوله تعالى : " قالوا تلك إذا كرة خاسرة " الإشارة بتلك إلى معنى الرجعة المفهوم من قوله : " أإنا لمردودون في الحافرة " والكرة الرجعة والعطفة ، وعد الكرة خاسرة إما مجاز والخاسر بالحقيقة صاحبها ، أو الخاسرة بمعنى ذات خسران ، والمعنى قالوا : تلك الرجعة - وهي الرجعة إلى الحياة بعد الموت - رجعة متلبسة بالخسران . وهذا قول منهم أوردوه استهزاء - على أن يكون قولهم : " أإنا لمردودون " الخ مما قالوه في الدنيا - ولذا غير السياق وقال " قالوا تلك إذا " الخ بعد قوله " يقولون أإنا لمردودون " الخ وأما على تقدير أن يكون مما سيقولونه عند البعث فهو قول منهم على سبيل التشؤم والتحسر . قوله تعالى : " فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة " ضمير " هي " للكرة وقيل : للرادفة والمراد بها النفخة الثانية ، والزجر طرد بصوت وصياح عبر عن النفخة الثانية بالزجرة لما فيها من نقلهم من نشأة الموت إلى نشأة الحياة ومن بطن الأرض إلى ظهرها ، و " إذا " فجائية ، والساهرة الأرض المستوية أو الأرض الخالية من النبات . والآيتان في محل الجواب عما يدل عليه قولهم " أإنا لمردودون " " الخ " من استبعاد البعث واستصعابه والمعنى لا يصعب علينا إحياؤهم بعد الموت وكرتهم فإنما كرتهم - أو الرادفة التي هي النفخة الثانية - زجرة واحدة فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعدما كانوا أمواتا في بطنها . فالآيتان في معنى قوله تعالى : " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " النحل : 77 . قوله تعالى : " هل أتاك حديث موسى " الآية إلى تمام اثنتي عشرة آية إشارة إلى إجمال قصة موسى ورسالته إلى فرعون ورده دعوته إلى أن أخذه الله نكال الآخرة والأولى . وفيها عظة وإنذار للمشركين المنكرين للبعث وقد توسلوا به إلى رد الدعوة الدينية إذ لا معنى لتشريع الدين لولا المعاد ، وفيها مع ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من تكذيب